من صلب الطبيعة… العقيق زهرة ملوّنة تشعّ بريقاً!

array(3) { [0]=> string(4) "8212" [1]=> string(4) "8213" [2]=> string(4) "8214" }

 

العقيق معروف بتعدد ألوانه القريبة إلى ألوان الطبيعة وقوس القزح، فرسم لوحات من المجوهرات الخيالية، مع ما رافقه من أساطير وروايات طبعت مسيرة عدد من الشعوب منذ القرون الأولى. شكّل العقيق كنزاً ثميناً في القرون الوسطى، واكتسب أهمية طبية في حقبة الفراعنة، واليوم يهيمن على عروش الدور العالمية للمجوهرات!

العقيق أو كما يعرف باسم Garnets باللغة اللاتينية، هو في الأصل غاراناتوس Garanatus، ومعناه شبيه البذور، في تشبيه قريب من ثمرة الرمان، نظراً للتقارب الكبير بينهما من حيث اللون الأحمر القاني. واعتبر هذا العقيق فريداً من نوعه على مر العصور، إلا أن العقيق بحد ذاته هو مجموعة من الأنواع المختلفة، التي تتميّز بألوانها الملفتة من أحمر وزهري وبنفسجي وبرتقالي وأخضر. ولا يخلو أي منها من خصائص مذهلة وأساطير تاريخية ومزايا قيّمة طبعت كلاً منها وجعلتها جوهرة ثمينة بحد ذاتها.

 

العقيق الأحمر… الأكثر شهرة وشعبية!

إكتسب العقيق الأحمر Rhodolite أهمية كبرى عبر التاريخ، حيث تم اكتشاف حجر غارنيت أحمر يعود إلى أكثر من 3 آلاف سنة قبل الميلاد، ما أثبت للعلماء صلابة هذا الحجر البراق وديمومته. ومن روايات التاريخ أيضاً ان ملك ولاية ساكسونيا الألمانية كان يملك حجر العقيق الأكبر حجماً، إذ بلغت زنته 465 قيراطاً. في حين تذكر قصص أخرى من اليونان القديمة أن الفيلسوف اليوناني أفلاطون طلب أن يتم نقش صورته على حجر عقيق أحمر. أما مصادر هذا الحجر المميز فتعود جذورها إلى بوهيميا، وهي جزء اليوم من تشيكوسلوفاكيا، إذ كانت تعتبر المصدر الرئيس له، خصوصاً مع المباني والمعالم التاريخية والتراثية والدينية المزيّنة بهذا الحجر. أما أوروبا، فقد اشتهر فيها هذا الحجر في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث تم استعماله بكثرة في الحقبة الفيكتورية. وفي علم الفلك الإسباني، اعتبر العقيق الأحمر رمزاً للشمس. وسادت الشعوب القديمة معتقدات عديدة حول هذا الحجر المميز، إذ اعتبر أنه يحمي من سوء الحظ ويُبعد الخوف. أما ومن أشهر الدور العالمية التي استخدمت العقيق الأحمر مؤخراً نذكر Chaumet التي رصعت به عقداً من الذهب مع العقيق الأحمر ضمن مجموعة Hortensia، أما دار Cartier فقدّمت خاتماً فاخراً من الذهب الأبيض يعلوه عقيق أحمر اللون ضمن مجموعة L’Odyssée. وأشهر مصادر العقيق الأحمر هي الأوروغواي والهند، وألمانيا والبرازيل.

وبالإنتقال من الأحمر إلى اللون الزهري، تختلف الأساطير والمعتقدات وحتى استعمالات الحجر الوردي. هذا الحجر الذي بات يكتسب أهمية كبرى ليحلّ خلفاً للعقيق الأحمر على عرش المجوهرات الفاخرة، يتميّز بلونه الفريد وصلابته وبريقه الساحر. وفي لمحة تاريخية عن هذا الحجر، نعود إلى حقبة الفراعنة، حيث كان المصريون الشعب الأول الذي تزيّنت بحجر العقيق الزهري، فارتدوا القلادات المصنوعة منه. ومن ثم انتقلت هذه العادة إلى روما القديمة حيث استُعمل الحجر الوردي لتصميم الخواتم كما وتم حفر الأسماء والعبارات عليه. ثم في العصور الوسطى، اكتسب العقيق الوردي شهرة واسعة وكان يُستعمَل للدلالة على الطبقات النبيلة الغنية. أما اكتشافه في العالم الحديث فيعود إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين اكتشف العالم William Earl Hidden الحجر الوردي في جزيرة رود. لكن مصادر هذه الجوهرة الثمينة متعددة، وتتوزع بين البرازيل وكينيا والموزنبيق والنروج وتانزانيا وسريلانكا والهند. وفي عصرنا الحالي، استفادت الدور العالمية من هذه الجوهرة واستخدمتها في تصميم أفخر مجوهراتها، على غرار Chaumet التي زيّنت به قطع Aria Passionata من مجموعتها الأخيرة Chaumet est une Fête.

 

ضوء الشمس وأشعتها يعكسها العقيق البرتقالي!

نوع آخر من العقيق يحظى بأهمية كبرى في سوق المجوهرات الفاخرة، وهو العقيق البرتقالي الذي تختاره اليوم الدور العالمية لتصميم مجوهراتها الرائعة بأناقة وفرادة كبيرتين، ومن بينها دار Bulgari التي قدّمت سواراً يحوي العديد من الأحجار الكريمة الملوّنة، وبصورة خاصة العقيق البرتقالي. أما دار Louis Vuitton فقدّمت عقداً من الماس البراق، وزيّنته بحجر العقيق البرتقالي ضمن مجموعة Conquêtes ما أضفى لمسة من الفرادة الرائعة إليه. في الواقع أن هذا العقيق لا لون له، ولكن بفعل الحرارة وبعض المواد المتوافرة في مكان تواجده، يتحوّل إلى اللون البرتقالي او الأصفر في أحيان كثيرة. يعرف العقيق البرتقالي باسم mandarin garnet أو Grossular، أو Hessonite، ومعنى اسمه هو شرف الشمس، نظراً إلى بريقه الأقرب إلى الأشعة والضوء. وبرزت في القرون السابقة الكثير من المعتقدات المرتبطة بهذا الحجر البرتقالي المائل إلى الإصفرار، حيث كانت بعض الشعوب تستخدمه للتخلص من حالة الفقر التي تهيمن عليها أو على المجتمع، ولربح الكثير من الثروات والغنى. في حين وظّفته شعوب أخرى لشفاء العديد من الأمراض أو الجروح التي يمكن أن تصاب بها. هذا واستعملته جماعات كثيرة للتخلص من السحر والشعوذات التي كانت هذه الشعوب تؤمن بها. أما الموطن الرئيس لهذا الحجر فهو اليمن، لذا يعرّف عنه في بعض الأحيان على أنه العقيق اليماني.

 

العقيق الأخضر… آخر حبّات العقيق الملوّن!

نوع آخر من العقيق لفت انتباه العديد من دور المجوهرات، واستعمل في الكثير من التصاميم الفاخرة منذ أقدم العصور، وهو العقيق الأخضر، الذي يعتبر من أجمل الأحجار الكريمة التي تزيّن الحلى الفاخرة والثمينة. قد لا يميّز البعض بينه وبين حجر اليشم الأخضر jade، ولكن الواقع أن هذا العقيق أكثر بريقاً من اليشم، وذلك بفضل تركيبته التي ترتكز على أشعة الشمس والحرارة لتفاعل الكيميائيات فيه وبالتالي التحوّل إلى هذا اللون البرّاق. وأبرز العناصر المسببة لاكتسابه اللون الأخضر هو النيكل الذي يشكّل جزءاً كبيراً من تركيبته. يعود استخدامه إلى 1500 سنة قبل الميلاد، وقد تم اكتشاف العديد من المجوهرات المصممة من هذا الحجر البراق في مقابر الفراعنة المصريين، إذ استعمل لعلاج الأمراض ويحمي من امراض القلب ويداوي الحالات النفسية الصعبة. كما اعتبره البعض ضرورياً للخصوبة ومساعداً على الولادة والإنجاب. وفي ما خص الدول المصدِّرة لهذا النوع من العقيق، فتتصدر القائمة روسيا، لتليها كل من أزربيجان، إيطاليا، مالي، المكسيك والولايات المتحدة الأميركية. أما اكتشاف هذا الحجر للمرة الأولى فكان في العام 1967، حين عثر عليه عالم الأحجار الكريمة الاسكتلندي، Campbell Bridges ، خلال رحلة استكشافية في تانزانيا. ما يزال العقيق الأخضر محط أنظار كبار صنّاع المجوهرات، إذ استخدمته الدور العالمية بكثرة في تصميم أفخر مجوهراتها، ونذكر من بينها دار Cartier التي قدّمت خاتماً فاخراً من العقيق الأخضر بتصميم مستوحى من حقبة ثلاثينيات القرن الماضي، ودار Piaget أيضاً ابتكرت تصميماً أنيقاً من حجر العقيق الأخضر، الممزوج مع الزمرد والفيروز، لتعكس جمال نجمات هوليوود في ثلاثينيات القرن الماضي.

 

إعداد: ماري حصري

مجلة عالم الساعات والمجوهرات، عدد 119 يناير-مارس 2018

مقالات ذات صلة